ابن عجيبة
280
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
الإشارة : أخذ الحق جل جلاله العهد على الأرواح أن تعرفه وتوحده مرتين ، أحدهما : قبل ظهور الكائنات ، والثاني : بعد ظهورها . والأول أخذه عليها في معرفة الربوبية ، والثاني تجديدا له مع القيام بآداب العبودية . قال بعضهم : أخذ الأول على الأرواح يوم المقادير ، وذلك قبل السماوات والأرض بخمسين ألف سنة ، ثم أخذ الثاني على النفوس بعد ظهورها في عالم الأشباح ، كما نبهت عليه الآية والأحاديث . وقال ابن الفارض في تائيته : وسابق عهد لم يحل مذ عهدته * ولا حق عقد جلّ عن حلّ فترة قال القاشاني : أراد بالعهد السابق : ما أخذه اللّه على الأرواح الإنسانية المستخرجة من صلب الروح الأعظم ، الذي هو آدم الكبير ، في صور المثل ، قبل تعلقها بالأشباح ، وهو عقد المحبة بين الرب والمربوب ، في قوله سبحانه : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ . . . الآية . وبالعهد اللاحق : ما أخذه عليهم بواسطة الأنبياء ، من عقد الإسلام بعد التعلق بالأبدان ، وهو توكيد للعهد الأول ، وتوثيقه بالتزام أحكام الربوبية والتزامها . ه . وقال في الحاشية : كلام ابن الفارض ينظر إلى العهد الأول ، الروحاني ، وكلام غيره ينظر إلى الثاني النفساني ، وهو ظاهر الآية . ه . قلت : وفيه نظر ، فإن كلام ابن الفارض مشتمل على العهدين معا ، الروحاني في الشطر الأولى ، والنفساني في الشطر الثاني . والحاصل مما تقدم : أن العهد أخذ على الأرواح ثلاث مرات ، أحدها : حين استخرجت من صلب الروح الأعظم الذي هو آدم الكبير ، وهو معنى القبضة النورانية ، التي أخذت من عالم الجبروت . والثاني : حين استخرجت من صلب آدم الأصغر ، كالذر ، والثالث : حيث دخلت في عالم الأشباح ، على ألسنة الرسل ، ومن ناب عنهم ، فالمذكور في الآية هو الثاني ، وهو أحسن من حمل القاشاني الآية على الأول . فالحاصل : أن الأخذ الأول كان على الأرواح مجردة عن مادة التطوير والتمثيل ، بإقرارها إقرار النفوس ، لا إقرار الألسنة ، والأخذ الثاني كان على الأرواح بعد خروجها من الوجود العلمي إلى الوجود العيني ، فتطورت الأرواح بصفاتها الذاتية ، من سمع وبصر ولسان وغيرها ، في عالم المثال ، بصور مثالية ؛ لتبصر بها ظهور الرب ، وتسمع خطابه ، وتجيب سؤاله ، بإقرارها حينئذ إقرار الألسنة ، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية . وأما العهد الذي أخذه بواسطة الأنبياء في ظهور عالم الأشباح فإنما هو تذكير للعهدين ، وتجديد لهما ، وهو الذي تقوم به الحجة عليها ، فلا بد من انضمامه إلى الأوّلين في قيام الحجة ، كما تقدم . فالموجودات ثلاث : علمي ، ثم خيالي مثالي ، ثم نوعي حسى . فأخذ على كل واحد عهد ؛ من الأولين بلا واسطة ، والثالث بواسطة الرسل . واللّه تعالى أعلم .